حيدر حب الله
153
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
مجموع ما في الأرحام عند جميع الخلق في هذا الزمن ) . وهكذا الحال في ( ينزّل الغيث ) والعلم اليوم يمكنه أن يأتي بالغمام في حالةٍ هنا أو هناك . الرسالة هي رسالة ضعف نوع الإنسان في مقابل القوّة الإلهيّة ، تماماً مثل الأمثال الشعبيّة ، رسالة الجهل الإنساني والعلم الإلهي ( . . وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ) ( الإسراء : 85 ) ، هذا هو المفهوم الذي يريد القرآن من خلاله إثبات التفاوت الهائل بين الخالق والمخلوق وبيان عظمة الخالق وضعفنا نحن البشر المخلوقين . فالقضية في مقام بيان النوع والحالة العامّة لا تمام الأفراد ، ونحن نعرف أنّ لسان بيان الأعم الأغلب هو لسان رائج وشائع جدّاً في اللغة العربيّة ، وهو لسان التعامل مع الحالة النادرة بوصفها حالة معدومة عمليّاً ، لا يتمّ التوقف عندها ، لأنّها لا تؤثر على الفكرة المراد إيصالها . ومثل هذا كثير في القرآن الكريم ، فالله يقول : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) ( الانشراح : 5 - 6 ) ، فهل كلّ عسر معه يُسر ؟ إنّ الجمل تشير إلى المبدأ والرسالة ، وإلى الحالة الغالبة ، والغاية منها بعث الأمل في النفوس وحُسن الظنّ بالله ، تماماً كالآية التي نحن فيها ، تشير إلى المبدأ والرسالة ، والغاية هي بيان ضعف الإنسان معرفيّاً أمام الله تعالى . ولو لاحظنا المفسّرين القدامى والذين لم يغرقوا في البحوث الفلسفيّة والعقليّة والمنطقية سنجد طريقتهم في التفسير تقارب هذه الطريقة ؛ لأنّ هذا هو الفهم العرفي العربي والعفوي لمثل هذه النصوص . هذا ما أفهمه - ترجيحاً لا جزماً - من النصّ والعلم عند الله ، وللتفصيل مجال آخر .